مقالات

أحمد الغرباوى يكتب: يَوْمِيّات النزيل (رقم 1493599) بالمُخَيّم الميدانى لـ (كورونا).. الجزء الثالث والأخير( 3 )

وأنْتَّ تتماسّ وحافّة النّهاية.. تحاولُ أن تتمطّى والجسد الواهن الذى تحمل ثِقل أمانته.. وقد إنكمش وأنفاس الروح عَوْدة رحم.. أهو الجواد يئنُّ.. أم لم تعُد قادرًا على الركوب بمضمار الأرض.. أم بلغنا نهاية الطريق .. كل شئ أمامك وبداخلك يتغير.. لا بقاع ولا سموات صافية.. وكُلّ ضياء بيشع بَيْن جنباتك يومًا ما تغشاهُ توارى بعيدًا.. ويكتسى الحاضر بغيوم سوداء.. قاتمة تمامًا.. وتتساءل:
ـ كيف يُمْكِن العيْش بإيمانِ صوفىّ ويقين نبىّ داخل شرنقة واقع متوحّش.. فِعل خشونة وتلذّذُ غرزأشْوَاك.. مُحَاط بخيْبات حاضر خيْمة المستشفى الميدانى.. وعاء واحد يجمعُ المصابين والمشتبه بهم.. وتختنقُ خُضرة الأمل.. وتلتهمُ ثمار حُلم غَدّ.. تسلبُ متعة الحَيْاة من الوجود كحشرة (فرس النبى)!
كم هو مُحْبط أن تتخيّل نفسك ستمكثُ مُرافقًا لشبح فيروس مجهول.. يرتدى طاقيّة إخفاء.. ولا يورد إلا الأدْوَاء.. ولا يُصغ منه إلا نشاذ وتجشؤات وحشرجات ألم.. وأنواع متعدّدة من اصطكاك أحجار صلدة.. ودوران رحايْا فارغة.. و.. و..
أجْوَاء صعبة.. يمكن أن تغدو بمحبسها لمدة أسبوعين.. أو مايشاء الله.. والحمد لله..
وتفترضُ الأسوأ حتى تألف ولا تُصدم .. وتدخلُ دوّامة روتين العادة..
وماذا عليْك أن تعُدّ لها..؟
سأطلب من زوجتى غذاء، وماء، وملابس، ومصحف، ومصليّة، وكتب، وقلم، وأوراق،.. وموبايْل.. والمحفظة التى يسير هنا كُلّ مسرعًا بمجرّد رؤيتها.. ويدك تمتدّ إليْها.. ولا ألومهم وهم يروحوح ويجيئون فى هذا الفقر المهين.. ورؤية حالهم تلتمسُ لهم ألف ألف عُذر..
وأتذكّر مشكلة الحمّام.. كَيْف يُمْكِن حلّها؟
ولولا سُنّة التيمّم فى الوضوء؛ لكان أكبر عقاب أواجهه فى حَيْاتى.. وتشدّنى مخيّلتى إلى المملوك المسجون، الذى منعوه من الذهاب فى الحمّام.. فعاث بين بوله وبرازه تعذيبًا وكسرًا..
وأنّى لى الذهاب لتلك الحجرة القذرة.. والتى تشهدُ على كُلّ معانى الفقر والعجز والتخلّف والجهل والبلادة.. و
وخوفًا من العَدْوى.. والضرر النفسى.. وجَبْر العذاب البدنى.. رُحت أتيمّم، وأصلى على السرير فى أىّ اتجاه..
وتوقظنى إمْرَأة تهرولُ.. تحاولُ أن تفرُّ بحقيبتها.. وخلفها عاملة نظافة تقول لزميلتها:
ـ دى الستّ اللى دخلت أمس، وعندها أزمّة تنفّس.. جوزها اتصل بحَدّ كبيرفى مجلس الشعب.. وجاىّ ياخدها..
وإمْرَأة أخرى.. جوزها نقلها للمستشفى الميدانى فرع الدمرداش..
ـ أحسن ماهى العناية والاهتمام هناك أفضل..!
وتصدمُ عَيْنى إمْرَأة بَيْضاء.. تلفّها عباءة حريريّة سوداء..كلّ شئ فيها يجرى ويهرب.. وكأنها تحاول أن تفرّ مما يشبهها!
،،،،،
ويأتى الحُكم النهائى على المتهم المُدان دون ذنبٍ فى السادسة ليْلًا..
شاب يتقدّم نحو المربّع المحبوس بداخله.. ينادون على إسمى.. معه موبايل وكيسين.. وأفتح الستارة الكالحة؛ وقد هربت من أمامها آخر مُمَرضة غلبانة.. عندما أشرت لها أنْ تطرد؛ أو تقتل أو تُبعِد صرصارًا صغيرًا.. يتنّزه بنشوة وتدلّل بين ثناياها المُتْرِبة..
ـ لا ياخويْا.. أنا بخاف!
ونحوى يتقدّم شاب صغير من الأمن.. ويدخل الخيمة.. والله دون أىّ إجراءات وقائيّة.. ولا كمامة ولا بدلة عَزْل.. والغريب؛ بين إصبعيه سيجارة.. لا حول ولا قوّة إلا بالله!
وما أن أخذت (الموبايل).. يرنّ.. وتبشّرنى زوجتى.. أنذ نتيجة (المسحة) ظهرت.. وأنها منذ 4 ساعات تحاول وتحاول تتصل بالمستشفى.. لولا المال ورجل أمن البوابةح ماوصلت لشىء..
لم أسمع أىّ شىء.. إنّما ما همّنى؛ هو أنْ ترسل لإبننا ليأخذنى من هنا فورًا.. حيث رأيتنى استلقى ومخدعى فوق السّحاب.. وتحوّل الأشباح إلى بشر.. وسفرى إلى النصف الآخر من الحيْاة..
ـ لا ياحبيبى..
الخروج غدًا.. حتى يأتى الاستشارى.. أستاذ الجامعة لازم يوقّع على التقرير الطبّى وإذن الخروج..
ممكن أصاب بعدوى.. ليلة ثالثة دون مبرّر.. لا أحد يُعَانى مثلى.. أىّ تخلّف ولامبالاة.. بَيْروقراطيّة واستغلال مادى سافر..
وجاء الفرج من إحدى الملثمات لتخبرنى.. أنّ الطبيب الكبير عفى عنىّ.. وأصدر الفرمان الإلهى.. وسمح لى بالرحيل..
وأتصل بزوجتى لأبلغها.. وتعود من منتصف الطريق؛ لانتشالى من هذا المستنقع.. وألحّ عليْها؛ ألا تتأخّر!
ويأتى ولدى.. يحاول احتضانى.. أبعد عنه.. أجلسُ فى الخلف.. وترك المقعد الأمامى لزوجتى.. ولاأزل فى غُلاف لزج من اللاوعىّ واللامنطق.. لا معنى لوجوه البشر.. ولا أثر لزمان.. مشوّش الأمكنة.. نحن فى عالم آخر من الدنيْا.. أبعد عن أدنى واقع منذ الثمانينات والتسعينيّات الممتلئة بمخلات الأمانى والأحلام والأمنيّات..
هَلْ سَلكْنا الحَيْاة نِياماً كالدُمى.. وفجأة نصحو بعدَ سَطوِ العِلّةِ.. أهو حقًّا.. قد حانت فُرقة بعد شرور رِفْقة ورفقة..
وأدخلُ الحمام.. جنّة الله على الأرض بالنسبة لى حاليْاً.. وأخرجُ؛ لألقى نفسى على الفراش.. أحاولُ أن أسدّ أذنى عَنْ صوت عمّ ماهر؛ وهويصرخُ:
ـ ياولاد.. المَبْوَلة حتغرّق الدنيا.. كُلّنا حنتبهدل..
ويدّ زوجتى تتحسّسُ جبهتى؛ تحاولُ تهدئتى وأنا أصرخُ فيها:
ـ همّا وجدوا ترمومتر الحرارة أم لا..؟
ـ أحمد؛ إنْت صوتك كان عالى قوى.. وبتصرخ..
ـ ده كابوس..!
،،،،
وأنت على حافة المَوْتِ؛ تتعلّقُ بحُضْنِ من تُحبّ.. وتكابدُ معاندة مرونة الخريف.. وتغطّى ببطن كفّيك أذنيْك عن احتكاك تكسّرات الورق البُنّى الجافّ..
وتوقظنى زوجتى.. أتهيّب تماسّ دفءحضورها.. وأفزعُ وأرتدُّ للوراء.. وبعينى أسألها:
ـ هوّه عم ماهر حَدّ جاله يغيّر المَبْوَلة.. هِوّه الحمّام إتصلّح.. هِوّه الترمومتر وجدوه.. هِوّه.. هِوّه..
وأجدنى أمام الشاشة.. وأشاهد مهرجان أزياء الجونة.. واحتفاليّة (الرِد كاربت).. والإعلان المُتْرِف للفنان (كريم عبد العزيز) بالعاصمة الإداريّة..
وأعودُ أتأمّل وَجْهى بالمرآة.. إنَّ ثمن فساتين فنانتين خلال الأيّام الأربع للمهرجان؛ تكفى لتجديد وعمل مستشفى ميدانى إنسانى ومحترم.. يليق بآدميّة بمصابى (كورونا) على أعلى مستوى..
ألم يسمع أهل مصر من رجال وسيدات الأعمال والعامة عن صرف زكاة أموالهم وصدقاتهم فى خدمة مَرْضى ومستشفيّات مصر.. وتخليصها مِنْ هذه الأورام السرطانيّة.. التى تجسدّ كُلّ معانى التخلّف.. وأهْوَن وأفقر أداء.. وعلى قمّة درجات اللامبالاة والاستهانة بالنفس البشريّة التى كَرّمها.. وأدرُّ ماخلقه عَزّ وجَلّ..
وأيْن دور الجمعيّات المَدَنيّة والخَيْريّة ؛ ومنها الرسميّة والخاصّة؛ التى تصرف ملايينها على الإعلانات.. من هذه الخراب والعفن النفسى والجسدى؛ والمَخْفيّة عن كثير من أهل مصر الشرفاء؛ المسمّاة بـ (المخيّم الميدانى لمستشفى عين شمس التخصصى).. وهى قادرة على تحويله لفندق خمس نجوم.. وليس ملجأ للقطاء فيروس كورونا.. ومُستعمرة للغُلب، والقهر، والعوز، وضربات الحاجة، وقلّة الحيلة.. ومُعْتَقل لبشرٍ، ليس لهم أىّ جرم غَيْر أنهم من قائمة حاملى فيروس (كورونا).. أو مثل العبد لله مشتبه فى أمره..
وهل أحلم بأن يقرأ العالمى، والإنسان الخلوق، المقدّر من الله قبيل البشر.. لاعبنا الكبير محمد صلاح، ليوجّه بعض تبرعاته لأمثال ذاكَ الاحتياج الطبى الضرورى.. زاده الله من فضله..
أمّا عن الثقوب الواضحة للأعمى.. والشروخ المتفتحة.. المعلنة عن كلّ إهمال ونقص وغُبْن للمواطن المصرى.. وعدم المتابعة للمنظومة العلاجيّة وضآلة الإمكانيّات دون مبرّر.. سواء تحت إشراف الدكتور وزير التعليم العالى والسيدة الدكتورة وزيرة الصحة وادارة المستشفيات ومرفق الإسعاف التابع للدولة.. فالأمر والله جلل.. وظاهر لمن يودّ أن يستقصى ويتبين نفسه..
وإلى متى نترك سُمْعة (مصر) القيمة والكفاءة والخبرة؛ تحت سيطرة قيادات الفِكْر العشوائى المتواضع الردىء.. وأصحاب المصالح الشخصيّة وعشوائية الإدارة المتدنيّة.. والإخراج السطحى والبدائى الفجّ للمشهد..
ويسيطر على صحّة المواطن مجموعة من التافهين المسيطرين على الأنظمة.. وكُلّ قدراتهم تجسّد الرداءة والإنحطاط والتدهوّر.. وإبعاد أهل الإنسانيّة والوطنيّة مِنْ ذوى الكفاءة والكفاية..
وياله من مَشْهد حياتى؛ يفوقُ نتاج إبداعات (العَبث) بالخيال الأدبى.. وأسوأ ما يمكن أن نتوقعه بحاضرنا.. يفرض علينا عدم الصمت أوالتجاهل..
وكلّ مصرى أولى بأعلى درجات الرعاية فى المرض.. فما بالنا فى الوباء..
كلّ مصرى له الحقّ أن يحظى بأدنى درجات الإنسانيّة..
وتظلّ رؤية أحلام..!
وتجاهُد لتُغمض عَيْنَيْك.. تحاولُ أن تنام.. وتغفو على التحاف سنوات وسنوات تَمْضى.. وعُمر يفوتُ وأن تدرى.. وتتمنّى لو عاد بك الله لبضّ حيوات أمس، لتختار طريق الطبّ.. والاتكاء على مسارات المشرط.. وتترك صاغرًا وقانعًا درب الوجع والألم الذى لاينتهى بمسالك الفكر وأعشابه الطفيليّة الضارة.. وظلمة أزقّة الأدب.. ورفقة جوارى وحوارى الإعلام على موائد اللئام ..
فتسكن جوار الله عطاءً حقيقًا للبشر.. ولا تعد تصارع نوبات الندم على تركك لكلية الطبّ.. وتظلّ قيْد حلم يقظة، رغم أفول الجسد، وترنّح الروح، وإباء العقل، ووهن ترحال نبض!
سامحنا الله..
ودائمًا أبدً؛ لك الله يامصر..!
………

* شكرى وتقديرى لموقع دوت انيرجى.. ولجميع السادة الزملاء العاملين به..
وقد آثرت نشر هذه المقالات فقط بذاكَ الموقع.. والذى يجسد مدى ايجابيته بالمشاركة الوطنية، وحب مصر وشعبها، والوعى الاعلامى بالدور التنموى والبناء على كل بقعة من ارض الوطن الحبيب..

#

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى