مقالات

أحمد الغرباوى يكتب:يَوْمِيّات النزيل (رقم 1493599) بالمُخَيّم الميدانى لـ (كورونا)… الجزء الثانى (2) 

نعم هو أنا..!

وتبدأ رحلة ثانية أنْتّ فيها مُجرّد رَقم.. أنا النزيل رقم (1493599)..

مُنذ أن تدخل مِنْ بوابة مُسْتَعمرة فيروس (كورونا).. وجوه عليها غَبرة.. كُل ماتريده منك بطاقة الرقم القومى، ليتمّ تسجيلك على الحاسب الآلى.. وتدمغ على صدرك برقم.. عرفت لاحقًا أننا تحت خيمة الوباء مجموعة أرقام.. لا لحم.. ولا دمّ.. ولا تاريخ.. ولا عائلة.. ولا أثر.. ولا قيمة إلا ماتضيفه لمختبرات (كورونا)..

وتستقبلك أشباحٌ.. مغلّفة بأكياس بلاستيك مكرمشة.. لا ترى منها غير عَيْنين مرهقتيْن.. غاضبتين.. كارهتين.. متأملتين بلامعنى.. يجرّون جثتك على كُرْسى متحرّك فى حاجة إلى كرسى متحرّك..

وتسأل أيْن أذهب.. ؟

ـ هما ماقالوش لك..؟

ـ لأ..

زوجة الجثة الحافية زائغة الفكر.. تائهة الفعل.. شاردة فى المجهول.. و.. ولا تعرف ماذا يحدثُ؟

ـ أين حقيبته..؟

ـ أىّ حقيبة.. همّا قالوا لنا حناخد مسحة.. لتبين حقيقة الاشتباه بفيروس (كورونا) أم لا.. فقط!

وتخلّوه ليه مع مرضى (كورونا).. ولو المسحة سلبيّة؛ ممكن يأخذ عدوى..؟

لا.. لا أحد يجيب.. ويخطفون الجثة.. يرمونها داخل المُخَيّم الكئيب المُسَمّى بالمستشفى الميدانى.. وهو أقرب إلى سُرَادق عزاء بلا احترام لوجع.. ولا تقدير لمرضى.. ولا صدق حسّ فى حوار..

قماش أبيض على رمادى.. مُمَزّق مِنْ السقف.. مُربّعات مغلقة بستائر قماش خفيفة.. مثل غرف الرعاية المركّزة.. يلقونك بداخلها.. الملايْة نصف متر فى أقل من متر.. المُكَيّفات شديدة جدًا.. هذا عنبر المصابين بعد نزولهم من الرعاية، وأخذ جلسات التنفّس.. أو لتقل مأوى لاجئى النقاهة.. ولكن الدور العلوى خاص بالرعاية المركزة.. وربّنا يشفى الجميع..

تستدعى الطبيبة الشابة..

ـ ممكن حَدّ يخرج يبلغ زوجتى أنّكم خلاص.. تم اعتقالى هنا؛ رغم أنّ المتهم برىء حتى تثبت إدانته..

فلم تعاملونى هكذا..!

ياجماعة أنا مشتبه به.. وليس لدىّ أىّ أعراض لـ (كورونا).. والفيروس برىء منّى..كُلّ ماهناك هبوط حاد فى الدورة الدمويّة.. وإنخاض شديد بالضغط.. وتم معالجة الأمر وخِلصنا..

لم تضعونى وحاملى الفيروس فى قفص واحد.. والله لازلت أليف العشرة.. وغير مُفْترس.. عاملونى كمجرم رأىّ حتى.. بلاش تحشرونى وسط المرضى المُغتصب الفيروس لأجسادهم.. أزعم أنى لا أزل لدى حقّ الحلم والأمل؛ فيما تبقى لى من حدود الحريّة..

وكأنك (صِيده).. وهكذا اعتادوا.. وتردّ عليك طبيبة شابة:

ـ مافيش حاجة إسمها كِدَه.. وتتخطّانى!

ـ المفروض يكون فيه مكان خاص لمَنْ لم تثبت جريمته بعد؛ حتى تحاسبوه..!

ولا أحد يستمع..؟

وبمجرّد دخولك، يُصْرَف لك أدويْة (كورونا).. وتضطرُّ لتشرب الحبوب غَصبّا.. أكثر مِنْ 10 حبوب يوميًا.. وأعمل إيه فى أدوية الجلطة الأخرى والنقرس.. تعذيب مابعده تعذيب.. وقد نسيْت أهل بَيْتك.. ولَيْس معك موبايْل.. ولا حافظة نقود..

ويُغلّق دونك أىّ منطق.. وتُحْجَبُ عنك مناطق الوَعْىّ.. وتشوّش مراكز رقى الشعور.. وأخرج مِنْ استيعاب الواقع.. تشويش حَيْاة..

أيْن أنا من الإنزلاق بهذا المُستنقع..؟

أهو حلم.. أهذا هو المستشفى الميدانى الذى افتتحه المسئولين.. صندوق كبير مَن العفن الفكرى؛ والتلوث البشرى، والتشويه اللا آدمى..

عُنْصر التمريض أفقر وأضعف مارأيْت فى حَيْاتى.. أسأل أحدهم.. (من أين..؟ قال: من طوخ… أسبوع عمل.. وأسبوع راحة.. كان الأول كُلّ ١٤ يوم.. عشان تكون مُجزيّة)

ويعلّق المحلول.. ويدخل الإبرة خطأ.. ويُغْرقنى.. أنادى عليه.. لايبال.. مُعْتاد عدم الإجابة أمام إلحاح صَرْخات المرضى.. ويقولُ لى؛ وهو لاينظر لجثتى:

ـ ولايهمّك.. شِويّة نقط مش حتأثر..

ـ شِويّة نقط إيه ياعمّ.. هىّ مايّه.. أنا اتغرّقت!

وكأنه أبكم وأخرس.. ويُكمل (عندما ينتهى المحلول؛ أغلق الأنبوبة هكذا.. وبعدين آجى اشيلها!)

ويسألنى: هوّه ماعندكش ترمومتر للحرارة..!

وأنظرُ له باستغراب..!

ويردّ ببرود: ( مش مهمّ..!)

ويمشى.. ويتركنى وكأنى كيس قمامة مُلقى على السرير.. ليواصل مهامه الجافّة مع لفافة بشريّة أخرى.. قد تكون أنظف قليلًا..

وتمرّ عليك الطبيبة الشابة.. لم أرها خلال يومىّ الاعتقال إلا مرة واحدة.. تسألك:

– هما جابوك ليه..؟

تصوّر..!

ـ هو إنت بتشتكى من إيه.. همّا خدوا المسحة واللا لسّه.. همّا…؟ وأسألها: متى..؟

تقول: يبقى فى الفجر..!

يانهار أسود..!

نعم.. يعنى حضرتك محجوز هنا ثلاثة أيام؛ لحين تظهر النتيجة..!

ياجماعة والله انا برىء..؟

لم يثبت بَعْد أنّى بقائمة فيروس (كورونا)، التى نزلت من السماء بكشفها الإلهى..

وتأخذ ٢ حقنة سيولة صباحًا ومساءًا.. وتمسحُ المُمَرضة بيدَها نقط الدّماء.. لايوجد معها منديل.. ولا قطن.. ولا لاصق طِّبىّ.. تخيّل..

وتنظرُ هُنا وهناك..

ولايزال البحث مُسْتَمِرًا عَنْ ترمومتر لقياس درجة الحرارة..!

،،،،

وفى الثانية بعد منتصف لَيْل اليوم الثانى.. ويهجمُ عليك أحد الملثمين.. يفتحُ الستارة.. يرمى بجوارك ٥ زجاجات صغيرة.. المفروض سيأخذ عَيْنات دمّ.. ساعتين يحاولون أخذ عَيْنات دم.. أقولُ له (هات حقنة رفيعة السنّ).. يواجهنى ( إنت عندك تجلّط فى الدمّ..؟)

ويتبدّل على عروقى وأوْرِدتى المُمَرضين.. أقول له: ( يابنى أنا عندى سيولة.. وأحلل شهريًّا.. و.. و .. )

وبعد أن ملأنى بالثقوب الفاشلة.. وراح يدخل السِنّ السميك للحقنة بيده الغليظة.. ويدوّر السنّ بالوريد، وكأنه (يكوّر) كوسة.. أصيح به:

ـ انتظر يابنى.. أعلى الذراع بحلّل منه شهريًّا..

وإذا به يُدْخِل الحقنة الجديدة.. وينفجرُ الدمّ مُنْثالًا.. ليملأ أكثر من ٥ أنابيب.. وأنظر إليه حسرة على شهادة التمريض والتدريب الذى حصل عليه.. وكم عدد من آلمهم دون ذنب..

ـ ألم أقل لك..!

ـ عندك حقّ ياحاج.. آمّال زميلى بيقول لى كُلّ عروقك هاربة ليه.. وإنْتَّ عِنْدَّك تجلّط.. وبقالنا ساعتين بِنْحَاول..

ـ إنتم عاوزين دورة إسعافات.. ده إنتم تجيبوا المَرْض.. هوّه إنتم بتعملوا علينا تجارب.. واللا دى تجارب سريريّة غصب عن المُتّهم؛ والمشتبه به..

وتتعالى صرخات أحد المصابين بالمربّ المكانى.. المعتقل بداخله أمامى.. ينادونه؛ ويبصقون إسمه بعَمْ ماهر:

ـ ياجماعة حَدّ يغيّر لى المَبْوَلة.. حتقع وتبهدل الدنيا!

وأجرى أبحثُ.. وأنادى هؤلاء العاملين الباردين..

ـ يابنى الراجل تجاوز السبعين.. وعاوز حَدّ… حرام إنْتّ مِشْ سامعه..

ـ حاضر.. بَسّ بصرف الأدوية للمَرْضى!

فالسيد المُمرض بيوزّع مجهوده شويّة هنا.. وشويّة هناك.. وآخر يصرخُ:

ـ ياجماعة عاوز الأنسولين… السكّر حيرتفع.. ياسيستر.. ياسيستر..

ومن جديد أهرولُ.. أنادى على أحد للرجل المسكين.. وأُحضر له أىّ بنى آدم.. وينظرُ لى كأنى من عالم ثانى..

وسيدة تصرخ السُّكّر.. ارتفع ٣٦٠.. ثم أصبح ٤٠٠.. وفتيات يتساءلن:

ـ هىّ الدكتورة فين.. فى الرعاية.. فوق.. ولا أحد يعرفُ يعمل حاجة.. حدّ يكلّمها على الموبايل.. فيه موبايل يصرفونه لهم مجانًا تائه..

وكأنهم لم يسمعوا أنّ فيه حاجة إسمها يجرى.. يطلع لها فورًا.. ينادى عليها.. والسيدة المسكينة على أبواب غَيْبوبة سكر!

وأعودُ الى سريرى.. أنظرُ لقطعة القماش التى يسمّونها مِلاية.. وأطلب ماتعارفنا عليه.. عَنْ شكل ومساحة الملايْات.. المعروفة بأفقر منزل مصرى..

يردّون عليْك( والله كّله كده..!)

وما الحكمة.. هى (كورونا) بتقزّم البنى آدمين.. ولم أقرأ أن من أعراضها إنكماش المُصاب.. رغم أنّ طولى 167 سم قبيل الاشتباه!

والمكيّفات شديدة البرودة.. ومُمْكن تسبّب إلتهاب رئوى.. والناس سيمفونية كُحّة.. وتأوهات وَجَع.. والبعض ينتظرُ دوره فى جلسات تنفّس… ويتفرّسون بك؛ وعيونهم تقول لك:

ـ ماتبقى تجيب مِنْ بِيت أمّك… إنْتّ حتقرفنا!

ـ والله لو أعرف يابنتى لعملتها…!

ولا يزال البحث عَنْ ترمومتر لقياس الحرارة جاريًا.. !

ويحلُّ فجر اليوم التالى.. وأنا أتقلّب فى العَفَنِ الطبّى.. وأفشل فى تكوّر جسمى داخل قطعة القماش التى يطلقون عليها (الملاية) لأتفادى رعشات روحى مِنْ فِعْل البرودة.. ولا أحد يستجيب لتخفيف التكييف.. ولا لتخفيض درجة الإضاء لتغفو قليلًا..

فهم مُلتحفون ببدل العَزْل الوقائية.. ولايهمّ هذه الأرقام المُلقاة والمُبَعْثرة داخل أقفاص العَزْل المِيدانى.. وموطن أوبئة محتملة.. واحتواء النقاهة..

فقد غدوت مجرّد رقم ينتظرُ الإعلان عنه بَيْن المصابين على شاشة التليفزيون…!

،،،،

وأنت على حافة المَوْت؛ لايكون الصراع بَيْن ماتملكه مِنْ قوّة.. ولا مُجَرّد محاولة المقاومة لتثبت قوّة شخصيتك.. إنّما هو فى الإيمان بالاستعانة بقدرة الله عزّ وجلّ.. واليقين بأنه وَحْده دون غيره صاحب الأقدار.. القادرُ على تغييرها..

وتستيقظ من غفوة على صَوْت ريحٍ؛ تضربُ سقف المستشفى الميدانى.. وتلاحظ شرخ كبير فى المادّة البلاستيكية للخيمة.. ألم يرها أحد.. ألا يخافوا مِنْ الشتاء وعصفه وصقيعه واحتماليّة إسقاطه!

وتسمع بداخل روحك مَنْ يرجُّ قفصك الصدرى؛ حين تضيق أنفاسنا بنا ويهمسُ لك.. و تتلاشى كُلُّ انكساراتك.. فلا تيأس.. ولا بأس!

وفى قلب مُعتقل (كورونا) تطلبُ كمامة فلاتجد.. تردُّ عليك هذه المُلثمة الفقيرة هَيْئة وأداءًا.. تُرْسلُ لك رسالة واضحة.. أنّها هنا مِنْ أجل الحاجة وزيادة الرزق.. (الكمامات فى الخارج.. عندما يحضرُ أحد فى الصباح أحضرها لك).. أىّ خارج.. ومادخل الكمامة فى الليل والصباح.. هل الفيروس يأخذ أجازة ليلًا!

ويتركونك عاريًا دون غطاء ثقيل.. مُعَرضًا لإلتهاب رئوى.. ومرتعًا لهجوم فيروسات شرسة.. ولُقمة سائغة للصقيع.. حتى المناديل الورقية؛ لاتوجد لمَسْحِ الدّماء بعد الحقن؛ أو أخذ عَيْنات الدمّ؛ للتنظيف من المحلول المِغرّق هدومك ولحمك العار.. لا يوجد.. تخيّل!

ولاتسأل عن رفاهية القطن.. أو البلاستر الطبّى!

ومنذ الثانية بعد مُنْتَصف لَيْل السبت حتى الرابعة عصرأ؛ لم آكل شًيئا.. ولم يسألنى أحد عن كرم الضيافة.. إنّما يلقون بسيل من الأدوية فى أمعائى.. ومحاليل.. وأخذ كميّات وليست عَيْنات دمّ.. وحقنة صباحًا ومساءً للسيولة..

وعندما تجرأت وسألت عن الأكل؛ كان أشدّ عقاب فى التاريخ البشرى، وهدر لإنسانيّة المواطن، ولكن ـ حقيقى ـ غصب عنهم..

فرموا لى وجبة الساعة الرابعة.. عبارة عن 4 كوسات نصف سِوَى.. وأرز مِعَجّن.. لدرجة أنه مُلْتصقة نشويْته بجدران الطبق المُفَضّض؛ البرىء من سوء نوعه أو مذاقه أو صنعته.. وربع فرخة.. أزعم أنها مطبوخة ببقايْا فيروسات (كورونا).. فمع أول قطعة منها؛ وإذ بها تقف فى فُمّ المعدة.. وأجرى على الحجرة المُسمّاة بالحمام.. لأعانى من أوّل إسهال، لم أره فى حياتى.. وياليتنى مادخلته..

وعنبر الرجال به 2 حمام.. المياه مقطوعة أغلب الوقت.. السيفون معطّل.. الأرضيّة ملّوثة ببقع صفراء.. وكأنها تقيؤات أو بُراز مرضى.. لا أعرف.. وتجلس على القاعدة تخاف العدوى.. وماباليدّ حيلة.. تهتز تكادُ تقع على الأرض.. والغطاء البلاستيك مكسور..

دخلت المستشفى الميدانى دون أىّ أعراض بـ (كورونا).. لا ضيق تنفّس.. ولا إسهال.. ولا تعنية.. ولا تقيؤ..

ومع أوّل لقمة مِنْ وجبة الغذاء أعانى كُلّ شئ..!

ورُحت أنادى عاملة نظافة يُرثى لمشيْتها.. وغُلب الأيّام طافح منها.. وملل الدّنيا يبوحُ وصوتها.. وتتطاوح يمينًا ويسارًا قهرّا حتى ألفته.. وأطلب مِيْاه.. يتكرّمون على بزجاجة واحدة..

وأعطيها الأكل.. وتأخذها السيدة العجوز.. وألاحظ أنّها تحاولُ أن تخفيها عن الأعين، حتى تأخذها خفية..

والله ياحاجة لو معى المحغظة؛ لأعطيتها لك كلها.. وبرضى نفس.. فحالتها أكثر من أن يرثى لها..

وأقرّر؛ كلّما جُعْت آخذ رشفة ماء.. فلا أريد أنْ أدخل لهذا الخراب العفن؛ الذى يسمّونه حمامًا!

تحاولُ أنْ تقولُ لأحد الملثّمين الباردين:

ـ أناعِنْدى (نقرس).. مِحْتاج أكثر من زجاجة.. أنا عايْش على المايّه؟

ويمرُّ.. ويتخطاك دون أن يردّ.. وتشعرُ بحاله يقولُ لك:

ـ ماتموت.. واللا تروح فى داهية وِتْخَلصنا.. إنت جاىّ تِقرف اللى خلفونا!

وأنسى المِيْاه.. الحمد لله؛ ربّما تُنسينى الحمام.. وتبقى نعمة خفيّة من عطايْا الربّ..

وفى الصباح؛ أبلّغ عن أعطال السّيفون.. وينظرُ لى أحد الزهقانين من حَيْاتهم.. والمتأففين من مُرّ عيشتهم.. ويصرخُ فى:

ـ يا أستاذ مافيه حَمّامين..!

ـ يابنى الإتنين عطلانين.. إذهب وشُوف.. ماهمّا مِشْ فى بلد تانية.. دول على بُعْد 5 متر منّك!

ويعود لموبايْله.. ودى آخر إجابته.. وعلىّ أن أعود صاغرًا إلى مساحتى المستورة بالستائر.. وألتمس مِنْ الله التحمّل.. والتمس الله خوفًا من نتيجة المَسْحَة.. وعاقبتها فى هذا القبو الموحش..

ويعودُ عمّ ماهر العجوز ينادى:

ـ ياوردة.. ياجمالات.. يانهلة.. ياجماعة.. حَدّ ييجى يغيّر لى المَبْوَلة.. حتقع وحتبهدل الدنيا.. ياولاد..

وأجرى.. أبحثُ عن أىّ بَنى آدم يساعد الرجل!

،،،،،

وآملت فى العشاء خيْرًا..

ورموا لى قطعة فويْل بحجم كَفّ اليد.. بداخلها رغيف بوزنه المخفّض الجديد.. و2 قطعة نستون؛ لا أنزل الله لها من إسم، ولا طعم إلا البلاستيك المدهنن.. ولا عنوان محترم لمصنع أوماركة.. وبيضة حمراء.. وكوب به باكت شاى عُشْبى.. وأين الماء السّاخن.. لا أعرف!

وتجرأتُ.. وهممت.. وتوكّلت على الذى خلقنى وخلقك.. وأقرّرُ أن أطلبُ مِنْ العاملة ماء ساخن.. وشربت الشّاى.. وعندما أتى مَوْعِد الدّواء، كان به فوّار.. ويقولُ لى الممرّض (هِىّ فين كوبايّة الشاى..؟)

نعم.. يانهار أسود؟

أىّ والله.. هم يستخدمونها للشاىّ.. وأيْضًا يضعون بها الفوّار.. وكُنْت رميتها.. ورأيْته يسألُ عن كوب آخر، ولا يجد.. فوضعت الفوّار فى زجاجة المياه المعدنية.. وألقيتها فى معدتى.. والأمر لله من قبل ومن بعد!

تخيّل.. لا توجد بالمستشفى الميدانى كوب كارتون.. أو بلاستيك لأخذ فوّار للمرضى!

وأكتفي بالفطار، والذى مثله العشاء بالضبط.. باستثناء علبة زبادى.. ومنحت الغذاء للعاملات خلال يَوْمَىّ العذاب.. فماهو إلا سمّ قاتل لكُلّ آدميّة خلق.. ومكتوب عليه من (جمعية رحمة).. أىّ أنّه عبارة عن تبرّعات.. ونسوا أنّ الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أوصى بالتبرّع والتصدّق بأفضل مانملك.. وليس بأردأ وأسوأ وأفقر الأنواع.. والتى إن جرّبتها؛ تخجل أنْ تتبرّع بها لجائع على مشارف الموت..!

إنه انتهاك لأدنى حقوق المواطن..!

ولا أعرف هل تشرف جمعيات حقوق الإنسان على هذا المكان.. أم أنها تخاف على أعضائها من العدوى!

ويأتى موعد الجرعة الثالثة من الأدوية.. والقياسات.. وجرعات الدمّ التى لا تتناسب أن أقول عليها عينات.. والحقن.. وفجأة تتذكّر المُمرضة؛ وتسألنى:

ـ هو ماعندكش ترمومتر لقياس الحرارة..؟

وحاولت أقول لها.. المُمَرض اللى استقبلنى من الصباح لايزل يبحثُ عنه..!

ولكنها.. كانت قد خرجت ولسان حالها يقول:

ـ وإيه يعنى.. مِش مُهِمّ.. مابلاها حرارة!

،،،،

وأنْتّ على حافة المَوْت؛ تتعلّق بمَنْ تُحِبّ.. وتستدعى من قصّرت فى حُبّهم.. وتعلنها لهم.. كم أحببتهم فى الله أكثر مِنْ حُبّ.. وغلبتنى الأيّام بعبادة صَمْت.. وعن القول والفعل غفلت وغفوت..

ويوقظنى عم ماهر الطيّب:

ـ ياولاد.. المَبْوَلة حتغرق الدنيا.. عاوز أدخل الحمام.. فين الكرسى أبوعجل.. بلاش تعذّبونى.. إنتم عاوزين تموّتونى على السرير 24 ساعة.. مايِنْفعش كده..

وأعودُ للهرولة والبحث عمّن يساعد الرجل الطيّب.. متجاوزًا تعريض نفسك لفيروسات هذا (المُعْتَقل الإجبارى) دون ذنب غَيْر..

غَيْر أنك مشتبه بحملِ فَيْروس (كورونا)..!

……

وحتى نلتقى بالحلقة الثالثة؛ ويكتب لكم ولنا الله ماتبقى من عُمر؛ يرزقكم الله العفو والعافية والمعافاة دائمًا أبدًا..

#

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى